يندرج هذا البحث ضمن حقل اللسانيات التداولية التطبيقية، إذ يدرس ظاهرة الحجاج اللغوي في رسالة "الرشحات من بحر معرفة النبي ﷺ" لبديع الزمان سعيد النورسي. وتستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تُطبِّق أدوات الحجاج اللساني الحديث على خطاب ديني فريد، يوازن بين الحرارة الوجدانية والرصانة العلمية، مما يُتيح الكشف عن طاقات إقناعية متميزة لم تحظَ بالدراسة الكافية من قبل. وتؤدي اللغة في الحجاج وظيفةً تتخطى الإخبار المجرد، إذ تغدو أداةً فاعلة لتوجيه المتلقي وتوليد القناعات في ذهنه؛ فالروابط والعوامل الحجاجية المبثوثة في الخطاب لا تصف الواقع فحسب، بل تُقيم الحجة وترتِّب النتائج وتُلزم المتلقي منطقياً ووجدانياً. ومن هنا جاء الاهتمام بوظيفة اللغة الحجاجية في الخطاب الديني تحديداً، إذ يمتلك هذا الخطاب طاقةً إقناعيةً مضاعفة تستثمر العقل والوجدان معاً، مما يجعل دراسة آلياته اللغوية ضرورةً علميةً لفهم كيفية اشتغاله وتحقيق أثره التواصلي في نفس المتلقي. تتمحور إشكالية البحث حول السؤال الآتي: كيف وظَّف النورسي الآليات الحجاجية اللغوية في رسالة الرشحات لإقناع المتلقي وتوجيه عقله ووجدانه نحو الحقائق العقدية؟ ويهدف البحث إلى رصد الروابط الحجاجية والعوامل الحجاجية والسلالم الحجاجية في نصوص الرسالة، وتحليل آليات اشتغالها في بناء الخطاب الإقناعي النورسي وتحقيق أثره التواصلي. اعتمد البحث المنهج التداولي الحجاجي، مستنداً إلى الإطار النظري لأنسكومبر وديكرو في نظرية الحجاج في اللغة. وتمثَّلت عينة الدراسة في النصوص الأصلية لرسالة الرشحات بصيغتها العربية، فيما اعتمدت أداة التحليل النصي الأسلوبي لاستخراج الظواهر الحجاجية وتصنيفها في ثلاثة محاور: الروابط الحجاجية، والعوامل الحجاجية، والسلالم الحجاجية. كشفت الدراسة أن النورسي وظَّف الروابط الحجاجية كالفاء واللام والواو توظيفاً محكماً لتوجيه المتلقي نحو نتائج عقدية مقصودة. كما تبيَّن أن العوامل الحجاجية كـ"بل" و"حتى" و"لكن" "استُعملت لرفع القوة الإقناعية وتدرّج الحجج تصاعدياً. وأظهر البحث بنيةً سُلَّميةً متصاعدة في عرض الحجج، تبدأ بالمقدمات الحسية لتنتهي بالاستنتاجات الكبرى، مما يُحكم الخطابُ سيطرتَه على عقل المتلقي ووجدانه في آنٍ واحد. يُثبت البحث أن أسلوب النورسي في رسالة الرشحات ينطوي على إستراتيجية حجاجية متكاملة تجعل من الخطاب الديني فعلاً تواصلياً إقناعياً رفيعاً، يتجاوز البُعد الجمالي إلى البُعد التأثيري والتوجيهي. ويوصي البحث بتوسيع الدراسات التداولية لتشمل بقية رسائل النور، والاهتمام بالتحليل الحجاجي للخطاب الديني بوصفه حقلاً معرفياً واعداً في الدراسات اللسانية العربية.